العيني
151
عمدة القاري
حصره الحجاج بمكة أول ليلة من ذي الحجة سنة ثنتين وسبعين ، ولم يزل يحاصره إلى أن أصابته رمية الحجر فمات ، وصلب جثته وحمل رأسه إلى خراسان . السادس : أبوه الزبير بن العوام ، بتشديد الواو ، القرشي ، أحد العشرة المبشرة بالجنة ، وأحد ستة أصحاب الشورى ، واحد المهاجرين بالهجرتين وحواري النبي صلى الله عليه وسلم ، وأمه صفية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم ، أسلمت وأسلم هو رابع أربعة أو خامس خمسة على يد الصديق وهو ابن ست عشرة سنة ، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية وثلاثون حديثا ، اتفقا منها على حديثين ، وانفرد البخاري بسبعة ، وهو أول من سل السيف في سبيل الله ، وكان يوم الجمل قد ترك القتال وانصرف عنه ، فلحقه جماعة من الغزاة فقتلوه بوادي السباع بناحية البصرة ، ودفن ثمة ، ثم حول إلى البصرة وقبره مشهور بها ، روى له الجماعة ، وكان له أربع نسوة ، ودفع الثلث فأصاب كل امرأة منهن ألف ألف ومائتا ألف فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائة ألف . بيان لطائف إسناده . منها : أن فيه التحديث والعنعنة . ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي ، ومنها : أن فيه رواية صحابي عن صحابي . ومنها : أن فيه النوع من رواية الأبناء عن الآباء ، ورواية الابن عن الأب عن الجد . بيان من أخرجه غيره : لم يخرجه مسلم . وأخرجه أبو داود في العلم عن عمرو بن عون ومسدد ، كلاهما عن خالد الطحان عن بيان بن بشر عن وبرة بن عبد الرحمن عن عامر به . وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد بن الحارث عن شعبة به . وأخرجه ابن ماجة في ( السنة ) عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن بشار كلاهما عن غندر عن شعبة به . بيان اللغات والإعراب : قوله : ( فليتبوأ ) بكسر اللام هو الأصل ، وبالسكون هو المشهور ، وهو أمر من التبوء ، وهو اتخاذ المباءة أي : المنزل يقال : تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه موضعا لمقامه . وقال الجوهري : تبوأت منزلاً أي : نزلته . وقال الخطابي : تبوأ بالمكان ، أصله من مباءة الإبل وهي : أعطانها . قوله : ( إني لا أسمعك تحدث ) معناه : لا أسمع تحديثك ، وحذف مفعوله . وفي بعض النسخ ، ليس فيه : إني . قوله : ( كما يحدث ) ، الكاف للتشبيه ، وما مصدرية أي : كتحديث فلان وفلان ، وحذف مفعوله أيضا إرادة العموم . قوله : ( أما ) ، بفتح الهمزة وتخفيف الميم من حروف التنبيه . قوله : ( إني ) ، بكسر الهمزة . قوله : ( لم أفارقه ) ، جملة في محل الرفع لأنها خبر : إن ، والضمير المنصوب يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله : ( لكني ) ، في بعض النسخ ( لكنني ) ويجوز في : إن وأخواتها إلحاق نون الوقاية بها وعدم الإلحاق . قوله : ( من ) ، موصولة تتضمن معنى الشرط ، و ( كذب عليَّ ) صلتها . وقوله : ( فليتبوأ ) ، جواب الشرط ، فلذلك دخلته الفاء . قوله : ( مقعده ) مفعول : ( ليتبوأ ) . وكلمة : ( من ) في : من النار ، بيانية وابتدائية ، قاله الكرماني . قلت : الأولى أن يكون بمعنى : في ، كما في قوله تعالى : * ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ) * ( الجمعة : 9 ) . بيان المعاني : قوله : ( كما يحدث فلان وفلان ) ، سمى منهما في رواية ابن ماجة : عبد الله بن مسعود ، رضي الله تعالى عنه ، قوله : ( لم أفارقه ) ، أي : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية الإسماعيلي : ( منذ أسلمت ) . وأراد به عدم المفارقة العرفية ، أي : ما فارقته سفرا وحضرا على عادة من يلازم الملوك . فإن قلت : قد هاجر إلى الحبشة . قلت : ذاك قبل ظهور شوكة الإسلام ، أي : ما فارقته عند ظهوره . والمراد : في أكثر الأحوال . قوله : ( لكن ) للاستدراك . فإن قلت : شرط : لكن ، أن تتوسط بين كلامين متغايرين ، فما هما ههنا ؟ قلت : لازم عدم المفارقة السماع ، ولازم السماع التحديث عادة ، ولازم التحديث الذي ذكره في الجواب عدم التحديث ، فبين الكلامين منافاة ، فضلاً عن المغايرة . فإن قلت : المناسب : لسمعت قال ليتوافقا ماضيا فما الفائدة في العدول إلى المضارع ؟ قلت : استحضار صورة القول للحاضرين ، والحكاية عنها كأنه يريهم أنه قال به الآن . قوله : ( فليتبوأ مقعده من النار ) ، قال الخطابي : ظاهره أمر ، ومعناه خبر ؛ يريد أن الله تعالى يبوؤه مقعده من النار . وقال الطيبي : الأمر بالتبوء تهكم وتغليظ ، إذ لو قيل : كان مقعده في النار لم يكن كذلك ، وأيضا فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه ، أي : كما أنه قصد في الكذب التعمد فليقصد في جزائه التبوء . وقال الكرماني : يجوز أن يكون الأمر على حقيقته ، والمعنى : من كذب فليأمر نفسه بالتبوء . قلت : والأَوْلى أن يكون أمر تهديد ، أو يكون دعاء على معنى : بوأه الله . الأسئلة والأجوبة : منها ما قيل : التبوء إن كان إلى الكاذب فلا شك أنه لا يبوء نفسه وله إلى تركه سبيل ، وإن كان إلى الله